أعمار الإبل ومسمياتها: ديوان الحياة عند سفينة الصحراء

أعمار الإبل ومسمياتها: ديوان الحياة عند سفينة الصحراء؟ الإبل لها مكانة عميقة في ثقافة الشعوب العربية، فهي أكثر من مجرد حيوان — إنها رمز للبقاء والصمود في أقسى البيئات. منذ القدم، عرف العرب نظامًا دقيقًا في تسمية الإبل حسب أعمارها ووظائفها داخل القطيع. ولكن هذه المسميات تمثل مراحل نمو الإبل، من ولادتها إلى مرحلة النضج، بل تصل إلى وصف حالتها الإنجابية. تعكس هذه الأسماء تقدير الإنسان لعلاقته مع الإبل، وكيف يتغير دور الجمل خلال حياته. ولذلك سنتعرف في هذا المقال على أهم مراحل العمر عند الإبل، وما تحمل هذه التسميات من دلالات، إضافة إلى كيفية ارتباط هذه المسميات بالتراث العربي وثقافة البدو في الجزيرة العربية.
الولادة إلى سنة: بداية الحياة ومسمياتها
عند الولادة وحتى عمر ستة أشهر، يسمّى صغير الإبل “حوارًا”. هذا الاسم يعكس ضعفه واعتماده الكامل على أمه في هذه المرحلة الأولى. يستطيع الحوار الوقوف بعد ساعات قليلة من الولادة، لكنه يبقى قريبًا من أمه. بعد مرور ستة أشهر وحتى عمر سنة، يُسمّى الإبل “مخلولًا”. في هذه المرحلة يبدأ الصغير في الاعتماد على نفسه قليلًا، يبدأ في مضغ الأعلاف وشرب الماء بشكل مستقل. هذا الانتقال من “حوار” إلى “مخلول” يميّز أولى مراحل نمو الإبل، حيث يتطور جهازه الهضمي وتزداد قوته وعلى أساسها يُعدّ هذا النظام من أقدم وأدقّ الطرق التقليدية لوصف نمو الإبل.
عمر سنة إلى خمسة سنوات: من الفطام إلى القوة
عندما يبلغ الجمل عامًا واحدًا حتى عامين، يسميه العرب “مفرودًا”، ويُشير ذلك إلى اعتماده الكامل على نفسه في الرعي والشرب. بين عمر سنتين وثلاث سنوات يُطلق عليه “لقي”، دلالةً على أنه التقى بأشقائه الذين ولدوا بعده. ومع وصوله من ثلاثة إلى أربعة سنوات، يبدأ الجمل في حمل الأمتعة ويُسمّى “حق”، في مرحلة يُعتبَر فيها قويًا بما يكفي لأداء الأعمال الأساسية. من عمر أربعة إلى خمسة سنوات يُطلق عليه “جذعًا”، وهذه الفترة تعدُّ فترة نضج متقدمة، يصبح فيها الجمل أكثر قوة وقدرة على التحمل. في هذه الأعمار، يكون الجمل قد اكتسب البنية الجسدية اللازمة للمهام الثقيلة، ويبدأ دوره العملي داخل القطيع.
قراءة المزيد: زين قطامي ويكيبيديا من هي؟ ديانتها، جنسيتها، زوجها، عمرها، معلومات كاملة عنها
من خمسة إلى ثمانية سنوات: مرحلة النضج الكامل
عندما يكمل الجمل خمس سنوات حتى ست، يسمّى “ثني”، وهذه الفترة تزامن تبديل الأنياب الأولى، وهي علامة فيزيولوجية على النضج. من ست إلى سبع سنوات يعرف باسم “رباع”، ومن سبع إلى ثماني سنوات يطلق عليه “سديس”. ولذلك في هذه الأعمار يكون الجمل في أوج قوته البدنية، ونادرًا ما يجده راعي الإبل ضعيفًا. ولكن في الثقافة العربية، يعد عمر السديس من أهم مراحل الجمل، لأنه يدلّ على مرحلة البلوغ الكامل في العمل والسباقات والمهام الثقيلة. ولذلك هذه التسميات تعكس المعرفة الدقيقة التي اكتسبتها المجتمعات البدوية عبر الأجيال في معرفة مراحل حياة الإبل ودورها في الحياة اليومية.
مراحل عمرية متقدمة: من العاشرة وما بعدها
بعد عمر الثماني سنوات، تستمر الإبل في النمو والتغير، حيث تشير بعض المصادر إلى وجود أسماء لمرحلة من عشرة أعوام حتى سن 14 سنة مثل “الناب” أو “الأود”، وهي تسميات تختلف قليلًا حسب المناطق والعادات. فوق عمر 14 وحتى 18 سنة يعرف الإبل بـ”الأود”، ثم تأتي مرحلة “الذلب” بين 18 و20 سنة، وبعد ذلك تسمّى “الحرش” عندما يتجاوز عمرها العشرين سنة. في هذه الأعمار المتقدمة، تقلّ النشاطات البدنية للإبل وتزداد خبرتها في تحمل الظروف البيئية. ولكن يمكن أن تعيش الإبل لمدة تصل إلى 25 – 30 سنة في بيئاتها الطبيعية وقد تمتد حتى 40 سنة في بعض الظروف، ما يجعلها من أطول حيوانات النقل والتحمل في العالم.
الدلالة الثقافية لمسميات الإبل
لا تقتصر مسميات الإبل على العمر فقط، فهي في كثير من الأحيان تحمل دلالات ثقافية واجتماعية مهمة. لكل اسم قصة تربط الرعاة بالإبل، وتظهر مدى احترام الإنسان لها. فمثلاً تسمية الجمل في مراحل عمره له علاقة بالقيم العملية، كقدرته على الوقوف، والاعتماد على النفس، وحمل الأثقال، وغيرها. هذه التسميات تجلّي حكمة التفاعل بين الإنسان والطبيعة، وخاصة في البيئات الصحراوية. ولذلك قد حظيت هذه الأسماء بتوثيق في مهرجانات التراث مثل مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل الذي يعرض تقاليد هذا الفن الشعبي ويعمل على الحفاظ عليه.
خاتمة
تظهر أعمار الإبل ومسمياتها نظامًا لغويًا وثقافيًا فريدًا يجعل من كل مرحلة في حياة الجمل قصة لها معنى. ولكن إن معرفة هذه المسميات ليست مجرد تراث لغوي، بل هي تعبير عن علاقة طويلة بين الإنسان و”سفينة الصحراء”. ولذلك تمتد هذه المعرفة عبر قرونٍ من التعايش والتجربة، وتبقى جزءًا أساسيًا من تراث البدو وثقافة الشعوب العربية.
قراءة المزيد: سلم رواتب أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية




